نشر الدكتور خالد فهمي، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، في حسابه على «فيس بوك»، اليوم الثلاثاء، صورة فصيلة مصرية تحمي جزيرة تيران عام 1967، وقال إن الصورة قاسية وقصتها قاسية، كما نشر فهمي شهاد ضابط للحظة الانسحاب من شرم الشيخ أثناء النكسة، وسبب أسر إسرائيل للجنود المصريين، مشيرًا إلى أن «نفس العقلية ونفس السياسة: التكتم، والسرية، وعدم الكفاءة، والاستخفاف بحياة الناس وبتضحياتهم، واحتقار الشعب وامتهان كرامته».

 وإلى نص ما كتبه خالد فهمي:   

هذه صورة قاسية.

وقصتها أيضا قاسية.

وخلفيتها قاسية.

وتداعياتها قاسية.

هذه صورة الفصيلة المصرية التي كانت تحمي جزيرة تيران حتى يوم ٦ يونيو ١٩٦٧ حين وقعت في أسر الجيش الإسرائيلي.

خلفية قصيرة: حتى حرب ١٩٥٦، لم يُسمح لإسرائيل بالمرور عبر مضيق تيران، ولكن كان من أهم نتائج الانتصار العسكري الحاسم الذي حققته إسرائيل في حرب ١٩٥٦ أن ضمنت لنفسها حق مرور سفنها عبر المضيق، وأن دعمت الولايات المتحدة هذا الضمان، وأن حمته قوات تابعة للأمم المتحدة.

الشعب المصري، في فوره نشوته بالنصر تغافل عن هذه الحقيقة، أو لم يعرها انتباها، أو، وهو التفسير الذي أميل له، لم يتم إعلامه بتلك التفاصيل أصلا، ولنقفز ليونيو سنة ١٩٦٧، ودعونا نقرأ الكلمات المؤلمة التي رواها أحد الضباط المصريين الذين شاركوا في الدفاع عن شرم الشيخ، والذي وصف ملابسات أسر الفصيلة المصرية التي كانت تحمي جزيرة تيران.

الظابط اسمه محمد عبد الحافظ، أحد رجال المظلات في شرم الشيخ، والذي أدلي بشهادته في كتاب «ضباط يوليو يتكلمون : كيف شاهد جنود مصر هزيمة ٦٧؟» تحرير عصام دراز (المنار الجديد، ١٩٨٩)، ص ص ١٣٩-١٤١:

“يوم ١٤ مايو بدأت حالة التعبئة العامة والحشر في كل الجيش… وأمرنا بالتحرك لشرم الشيخ…

صدر لنا الأمر يوم ٢٢ مايو بإغلاق مضيق تيران.. وأنا كضابط بالجيش لم أكن أعلم حتى هذه اللحظة أن منطقة شرم الشيخ ومضايق تيران منطقة دولية وليس لنا سيطرة عليها وأن إسرائيل تمر بطريقة طبيعية.. عندما صدر أمر بإغلاق مضيق تيران تم نقل فصيلة مظلات بالهليكوبتر بقيادة ضابط اسمه حرب… احتلت هذه الفصيلة جزيرة تيران … صدرت لنا تعليمات بأن أي مركب تعبر المضيق نطلق عليها طلقة تهديد على مسافة بعيدة، إذا لم تتوقف نطلق طلقة أخرى أقرب وهكذا. … طبعا كان الوضع متوترا، لأننا علمنا أن غلق مضيق تيران بهذه الصورة معناه الحرب، غلق مضيق تيران معناه إعلان الحرب فعلا. لم نكن نعلم ذلك في ذلك الوقت ولكننا كنا ننفذ الأوامر الصادرة لنا دون مناقشة أو فهم.

يوم ٥ يونيو كان يوما عاديا .. كان بعضنا يذهب للسباحة في مياة الخليج، نشاط عادي .. سمعنا في الإذاعة أن العدو بدأ الهجوم وأننا دمرنا الطيران الإسرائيلي. بدأنا نتعجب كيف يبدأ الجيش المصري الحرب دون أن نشارك فيها؟ … حوالي الساعة الخامسة مساء ٦ يونيو طلب اللواء عبد المنعم خليل من الضباط الاجتماع فورا. وفي هذا الاجتماع أخبرنا بأنه قد صدر له الأمر بالانسحاب فورا لتعزيز خط الدفاع الثاني.. أصبنا بحالة وجوم. الإذاعة لا زالت تذيع أناشيد النصر وبيانات تبشرنا بتدمير طيران إسرائيل، وهتافات وشعارات في الإذاعة. قواتنا على مشارف تل أبيب.

كانت هناك مشكلة أن معظم القوات الموجودة حضرت بالطائرة ولا توجد سيارات كافية للعودة إلى السويس. بعض الضباط… أثار هذه المشكلة، فكان الرد هو أن تعطى الأولوية للفرد المقاتل، ثم للسلاح، ثم للمعدات.

المشكلة الثانية التي ظهرت هي أن الوقود الذي معنا لا يكفي لتحرك كل هذه القوات مرة واحدة للسويس، فالمسافة للسويس حوالي ٤٠٠ كيلومتر. ولم يكن هناك أي تصور لـ[كيفية] العودة بهذه السرعة.

كان الرد هو ضرورة تنفيذ أمر الانسحاب فورا على أي وضع، وإذا توقفت السيارات في الطريق، نكمل باقي الرحلة سيرا على الأقدام.

اقترح بعض الضباط وأنا منهم اقتراحا آخر. إذا كانت الحرب بدأت فعلا… لماذا لا نقوم بالاتجاه نحو إيلات والهجوم عليها بدلا من الانسحاب للسويس. فلنهجم على إيلات وإذا نجحنا نخترق إسرائيل من الجنوب، من صحراء النقب.

كان الرد هو أن أمر الأوامر صدرت بالانسحاب وليس بالتقدم.. وفي رأيي فالانسحاب كان خطأ جسيما من القيادة سواء السياسية أو العسكرية. أنا أقول كمقاتل مصري إنه كان من الممكن تغيير مسار الحرب إلى حد كبير، على الأقل تقليل حجم الهزيمة…. لك أن تتخيل دخول عشرة آلاف جندي مظلات إلى إيلات وقيامها بعمليات جنوب صحراء النقب. لك أن تتخيل ذلك.

ثم أثيرت نقطة أخرى، وهو موقف الفصيلة التي تحتل جزيرة تيران، فالوقت الآن ليلا، ولا يمكن سحبها بالهليكوبتر ليلا، ولا يمكن الاتصال بها لأن الاتصال يتم بواسطة الطائرة صباحا.

كان الرد أن هذا الوضع سنتركه للقيادة في مصر، فأوامر الانسحاب هي الانسحاب الفوري، والقيادة في مصر سوف تتصرف، وترسل مراكب صيادين تحملهم.

الذي حدث لهذه الفصيلة أن في اليوم التالي لانسحابنا وصلت مركب صيادين لحملهم.. ولكن لأن قائد هذه الفصيلة لم يكن لديه أي فكرة عن تطور الأحداث فقرر الاتجاه إلى شرم الشيخ بدلا من الغردقة… وبالطبع لم يكن لنا أي قوات في شرم الشيخ بعد انسحابنا، وبالتالي وقع في أسر القوات الإسرائيلية هو وفصيلته بالكامل.

أنا لا أستطيع أن أصف شعورنا أثناء الانسحاب من شرم الشيخ. كلنا نكاد نبكي ولا نصدق ما حدث. ولم نشاهد أي جندي إسرائيلي طول انسحابنا.

هنا انتهى كلام محمد عبد الحافظ. ولنقفز مرة ثانية لابريل ٢٠١٦: نفس العقلية ونفس السياسة: التكتم، والسرية، وعدم الكفاءة، والاستخفاف بحياة الناس وبتضحياتهم، واحتقار الشعب وامتهان كرامته.

د. خالد فهمي

د. خالد فهمي
المصدر: