قال الفريق عبد المنعم خليل، قائد الجيش الثاني الميداني في أثناء حرب 1973 وقائد قوة شرم الشيخ خلال يونيو 1967 الموجودة على جزيرة تيران عند خليج العقبة، إن حرب 67 اندلعت بسبب إغلاق السلطات المصرية لمضيق تيران أمام القوات البحرية الإسرائيلية، مؤكدًا أن جزيرتي تيران وصنافير شهدتا العديدمن  تضحيات قوات الصاعقة والبحرية المصرية، من أجل تحريرهما من أيدي العدو.

وأوضح خليل أنه صدرت له أوامر شخصية من المشير عبد الحكيم عامر، وزير الدفاع الأسبق، لاستطلاع جزيرة تيران ووضع دورية بها للإنقاذ والمراقبة، وهناك تم تعيين دورية ثابتة بقيادة العقيد محمود عبد الله، مدير عمليات المظلات، وتم نقلها بطائرة هليكوبتر واحتلت مواقعها ومعها تكديسات إدارية من الطعام، والمياه، والذخيرة.

وأضاف قائد الجيش الثاني في تصريحات خاصة لـ”التحرير”، أن الطائرات الإسرائيلية خلال يوم 5 يونيو، كانت تخترق حاجز الصوت فوق قوات المظلات المصرية دون أي هجمات، وتخلل تلك الطلعات، طلعتا استطلاع في ليلتي 5 يونيو، و6 يونيو، لكن الوضع العام كان هادئًا للغاية في منطقة شرم الشيخ.

وأكد خليل أنه حين صدرت له أوامر بالانسحاب من جزيرة تيران في البحر الأحمر، لم يستطع إنقاذ من معه، لعدم وصول الطائرة الهليكوبتر من يوم 4 يونيو 1967، ولم تستطع أي من لنشات البحرية أو قوارب الصيد الاقتراب منهم والوصول إلى شاطئ الجزيرة، وكانت الأوامر المباشرة بانسحاب قوة شرم الشيخ إلى السويس، إلى ما يقرب من 15 ألف ضابط وجندي، وكانت التعليمات مقتضبة وسريعة بالانسحاب.

حقائق مبعثرة من أوراق قائد ميداني

في تلك اللحظات أخطرت القيادة العامة بفشل مجهود إنقاذهم وإعادتهم -حسب شهادته- وأردف قائلًا: “ولكنهم وقعوا جميعا في أسر القوات الإسرائيلية، وكان عددهم 33 من جنود الكوماندوز، هم إجمالي القوات المعسكرة فوق الجزيرة بعد انسحاب القوات البحرية من المنطقة، رغم أني علمت أن القيادة العامة للقوات المسلحة في القاهرة أخطرت السلطات السعودية لنقلهم قبل وصول الإسرائيليين إليهم.

“التحرير” تنقل شهادة الفريق عبد المنعم خليل كما جاءت عبر رصده التاريخي الموثق في كتابه “حروب مصر المعاصرة في أوراق قائد ميداني”، والتي توثق مدى دفاع كتائب الصاعقة المصرية وجنود الكوماندوز، والقوات البحرية، عن جزيرتي تيران وصنافير منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، واحتلال إسرائيل لهما بعد ذلك، وخلال يوم 14 مايو 1967 حين صدرت الأوامر المباشرة برفع حالة الاستعداد للحالة القصوي على مستوى القوات المسلحة كلها.

في ذلك الحين كان لديهم كتيبة مصرية واحدة فقط في اليمن، هى الكتيبة 85، في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية شبه مكتملة عبر تشكيلات عسكرية من أربع كتائب مظلات في مصر، هى الكتائب (75-79-77-81)، وصدرت الأوامر الرسمية لهم بالاستعداد للتحرك إلى مكان ما داخل الأراضي المصرية، حسب شهادته عبر كتيبتي (75، 77)، مضيفًا: “هنا بدأنا في التحرك بطائرات الهليكوبتر ميج 6، وطائرات اليوشن 14، إلى الغردقة، ومنها إلى شرم الشيخ، وبدأنا في الانتشار بجوار مواقع البوليس الدولي في شرم الشيخ”.

“تبة كارتر”.. من هنا كانت البداية

وتم تشكيل قوة شرم الشيخ تحت قيادة خليل، وقوامها كتيبتا المظلات، وتم تدعيمهما بمدفعية ساحلية، وقوات خفر سواحل، وقوات مدرعة خفيفة، وقوات مدفعية 155 مم، وبعد ذلك ظلت الكتائب الأخرى تحت قيادة وحدات المظلات بأنشاص.

يقول الفريق عبد المنعم خليل عبر مذكراته، إنه بدأ في تنسيق العمل في قيادة قوة شرم الشيخ، وكان مسئولا عن قيادة استطلاع القوة من منطقة تسمى الآن “تبة كارتر”، بشرم الشيخ، وكانوا يطلقون عليها (النقطة 105) وقاموا بوضع نقاط ملاحظة واستطلاع من النقطة (105) حتى طابا، بمحازاة خليج العقبة، مرورا بـ”دهب” و”نويبع”، بحيث تكون نقط إنذار واستطلاع لتحركات العدو المتوقعة تجاه شرم الشيخ، وتحركت القوة المصرية في دوريات استطلاع كثيرة خلال فترة صغيرة، وسط توقعات من تحرك العدو عبر تلك المناطق، خصوصا عند منطقة تسمى “وادي كيد”.

يضيف قائد قوة شرم الشيخ، أنه كان معهم في ذلك التوقيت زميل لهم يُدعى “طلعت حرب”، وقد شارك وأُسِر في حرب 1956، عند منطقة رأس نصراني، التي تُسمى الآن مدينة شرم الشيخ، وقد قاتل طلعت حرب قتالًا مشهودًا له حسب ما نُشر في الكتب والمراجع الإسرائيلية في الدفاع عن شرم الشيخ حتى وقع في أسر القوات الإسرائيلية.

بعد ذلك قامت الكتائب المصرية باستطلاع المنطقة جيدا بعد معرفة أهميتها الاستراتيجية، وبدأوا في وضع خطط للدفاع عن شرم الشيخ عبر هذا الوادي، وسط اتجاهات بالتحرك المباشر من الوادي إلى شرم الشيخ لمعرفة مدى وعورة الطريق، وكانوا يستقلون عربة مدرعة، حتى وصلت القوات المصرية إلى نقطة تشرف على شرم الشيخ، وكان طريقا جيدًا.

يقول خليل إن المعلومات التي أخبرهم بها طلعت حرب قبل وقوعه في الأسر، كانت هامة جدا، حيث إن الخرائط التي بحوزتهم لم تكن تشير إلى وجود هذا الطريق الوعِر من قبل.

استطلاع آخر قامت به القوات المصرية بالأمر المباشر، وكان مع كتيبتي المظلات عناصر ضفادع بشرية، حيث أصدر المشير عبد الحكيم عامر، وزير الدفاع الأسبق والرجل الثاني في الدولة المصرية آنذاك، أوامره لهم عبر أحد أفراد مكتبه، المقدم إبراهيم العرابي، قائد الفرقة 21 المدرعة في حرب أكتوبر لاحقا، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة بعد ذلك.

رسالة من عبد الناصر بإغلاق مضيق تيران

وكان الغرض من الاستطلاع هو استطلاع جزيرة تيران، لبحث مدى إمكانية تمركز قوات مصرية على الجزيرة حسب شهادته، قائلًا: عرفنا الغرض من احتلال الجزيرة عبر رسالة خطية من الرئيس عبد الناصر إلى العميد عبد المنعم خليل، جاء فيها: “عزيزي منعم، قررت إغلاق مضيق تيران يوم 23 مايو 1967″، فكان أمامنا أقل من أسبوع لدراسة الموقف وإصدار تعليمات جديدة للقوات المصرية هناك.

في ذلك التوقيت كان من المفترض عودة المقدم (عرابي) بقرار مرسوم على الخرائط بكيفية الدفاع عن المضيق وإغلاقه، وعاد إلى القاهرة ومعه خرائط توزيع القوات المصرية، حينذاك غادرت القوات منطقة شرم إلى الجزيرة بطائرة (مي 6)، نزلت منها عربة جيب للتحرك على الجزيرة التي ظهرت أبعادها أمامهم.

وهي عبارة عن جزيرة صخرية مستوية طولها 7 كيلومترات، وعرضها 14 كيلومترا مربعا، وكانت كتيبة مظلات وفصيلة صاعقة بحرية كافية تمامًا، لاحتلال الجزيرة والدفاع عنها بكفاءة، مع طلب وجود إمدادات منتظمة للجزيرة ووضع تعيينات لمدة أسبوعين على الجزيرة، سواء مياها أو طعاما مع ربطه تليفونيا مع قوات شرم الشيخ.

قوات مصرية تستعيد جزيرة تيران

يقول قائد قوة شرم الشيخ إنهم بدأوا في تحريك القوات، وبعد يومين كانت الجزيرة قد تم احتلالها بواسطة فصيلة مظلات مدعمة بقيادة ملازم أول يسري العبد، وتوزيع القوات بها، وتم وضع تلك القوة في حساب الإمدادات القادمة من الطور يوميا، إن أمكن، وقاموا بعمل تجارب على غلق المضيق بمدافع (ب 11) المضادة للدبابات، وبدأوا التجارب في منطقة ضيقة جدا من المضيق -خليج نعمة حاليا-، بهدف التدريب على إغراق أي سفن تحاول العبور بعد إعلان غلق المضيق.

كانت النتائج جيدة، فتم احتلال تلك النقطة والتدريب على الأوامر الصادرة بضرب طلقة أمام أي سفينة للتحذير وطلقة أخرى خلفها بعد ذلك، ثم يلي ذلك الضرب المباشر على السفينة نفسها في حالة عدم التزامها بالأوامر، تزامن مع ذلك إصدار قرار بطرد قوات البوليس الدولي، وتسلمت القوات المصرية موقعه وكذلك وحدة تحلية مياه البحر.

وطوال تلك المدة كان خليل لا يفكر في وقوع حرب إطلاقا، في ظل وجود قوات كبيرة من الجيش المصري في اليمن والقوات المسلحة ليست مستعدة لحرب نظامية، وكان يتوقع أن كل ما يحدث هو مجرد تهويش أو مظاهرة عسكرية من نوع مظاهرات الحرب النفسية التي كانوا يطلقونها على القبائل اليمنية لردعهم.

عرفنا بدء حرب يونيو 1967 من الإذاعة 

هنا تحركت صباح الخامس من يونيو عام 1967 مصطحبًا مجموعة من رجال المظلات بهدف إمداد الفصيلة التي تم نشرها في جزيرة تيران، برفقة اثنين من أبطال الصاعقة البحرية آنذاك “هلال سلامة وهلوده”، وغادروا شرم الشيخ تجاه جزيرة تيران علي متن سفينة إمداد حربية غير مسلحة تقريبا اسمها “العجمي”، وكان قائد الفصيلة المصرية في تيران يسمي يسري العبد، ووجدناه يمر على قواته، فتركنا له عدة إمدادات وتركت له ورقة بها أوامر ورسالة ليرد عليها.

ووسط طريق العودة داخل مياه الخليج، سمعوا أصوات الضرب وأزيز طائرات، فتوقعوا أن هناك شيئا غير طبيعي، فقام قبطان السفينة بفتح جهاز اللا سلكي الخاص به، باحثا عن ترددات الإذاعة المصرية، وعن طريقها علم الجميع ببدء الحرب من الإذاعة.

حينذاك بدأت القوات المصرية المعسكرة على الجزيرة في العودة، وتحركت فور رسو السفينة إلي مقر قيادة القوة التي كانت تعقد اجتماعًا عاجلًا لقادة الوحدات لتقدير الموقف، وكان الاجتماع قد انفض، فعرفت من زملائي بعد الاجتماع بوجود ضربة جوية على العدو وأن الأوامر والتعليمات هي زيادة اليقظة والاستعداد للقتال في أي وقت، وكنا نتوقع هجومًا للعدو مكررا سيناريو حرب 56 عبر “وادي كيد” عبر الطريق من طابا.

وعبر شهادته في كتابه “حروب مصر المعاصرة.. أوراق قائد ميداني”، يقول الفريق عبد المنعم خليل، إنه كان معهم لواء من البحرية المصرية كانت تشمل مدمرة وزورقي طوربيد وكانت أوامر القاهرة للقوات البحرية هى الانتشار والتحرك دائما، تمهيدا لعمليات هجومية ضد ميناء إيلات وطوال يوم 5 يونيو، كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق حاجز الصوت فوق القوات المصرية دون أي هجمات، وتخلل تلك الطلعات طلعتا استطلاع ليلتي 5 يونيو و6 يونيو، لكن بصفة عامة كان الوضع هادئا للغاية في منطقة شرم الشيخ.

أوامر مباشرة بالانسحاب إلى السويس

خلال ليلتي (6 و7 يونيو 1967) جمع العميد عبد المنعم خليل القوات المصرية وأخبرهم في اجتماع موسع بأن أوامر القاهرة هي انسحاب قوة شرم الشيخ إلى السويس، وكانت تشمل حوالي خمسة عشر ألف ضابط وجندي، وكانت التعليمات مقتضبة وسريعة بالانسحاب، وهو القرار الذي أعاد 98% من قوة شرم الشيخ سالمة بأسلحتها الخفيفة والثقيلة وجاهزة لتنفيذ مهام أخرى.

وعكس باقي وحدات القوات المسلحة التي صدر لها الأمر بالانسحاب، فإن قوات المظلات لم تعان من أي درجة من درجات عدم الانضباط خلال التحرك تجاه السويس، لأن مهام قوات المظلات الأصلية تكون في عمق مناطق عمل العدو، لذلك فتدريباتهم تشمل التقدم والانسحاب أيضًا، لذلك كان الانسحاب منظما ودقيقا، لأنه تم التدريب عليه من قبل.

ووسط تنفيذ خطة الانسحاب اضطروا إلى ترك القوة التي انتشرت في جزيرة تيران، بعد اتصالات مباشرة مع المملكة العربية السعودية بواسطة المشير عبد الحكيم عامر، لاستضافة تلك القوة المصرية في المملكة، نظرًا لتعذر سحبها بعد تحرك القوة البحرية المصرية إلى عرض البحر في حالة الحاجة إلى سحبها.

في حدود الساعة الثانية عشرة ظهرًا ظهرت أول غارة إسرائيلية على القوات المصرية، وكانت عبارة عن 4 طائرات (سوبر ميستير) وضربت منطقة المزروعات عشوائيا، نظرا لعدم تمكنهم من رصد القوات المصرية على الجبل أو في الأرض الزراعية، لكنهم شاهدوا عربات منتشرة فتوقعوا وجود قوات هناك في تلك المنطقة، ومن فوق الجبل شاهدت الطائرات تضرب بالصواريخ ثم تعود لتضرب بالرشاشات.

وهو ما دفع قائد الكتيبة لإصدار أوامره بعدم الضرب على الطائرات المعادية بالأسلحة الصغيرة نظرًا لعدم تأثيرها على الطائرات وأيضا لعدم كشف مواقعهم على الجبل، وانتهت الغارة بعد أن أصابت من 3 إلى 4 أفراد مصريين فقط بإصابات خفيفة، أحدهم كان الضابط ناجي حسين.

وعند صدور القرار بالانسحاب العشوائي، انسحبت القوات البحرية من المنطقة بالكامل، ولم يمكن إخلاء تلك الفصيلة من الجزيرة، وبعض المراجع الإسرائيلية تتحدث بصلف وغرور عن معركة غير متكافئة حدثت لاحقًا، لاحتلال الجزيرة، حيث تم أسر نحو 33 فرد مظلات مصريا، بعد نفاد ذخيرتهم، وذلك بعد تخلي المملكة العربية السعودية عنهم.